الجاحظ

315

المحاسن والأضداد

الطري والجبن الطري ، وكان جميع ملوك فارس يتبركون بذلك ، وكان يسرق له في كل يوم نيروز ماء في جرة من حديد أو فضة ، ويقول : « استرق هذا الأسعدين ، ويتحمل الأيمنين » ، وجعل في عنق الجرة قلادة من يواقيت خضر منظمة في سلك الذهب ممدود ، فيها خرز من زبرجد أخضر ، ولم يكن يسرق ذلك الماء إلّا الأبكار من أسافل دارات الأرحاء ، وصنائع الغنى ، فكان متى اجتمع النيروز في يوم السبت ، أمر الملك لرأس الجالوت بأربعة آلاف درهم ، ولم يعرف له سبب أكثر من أن السنة جرت منهم بذلك ، فصارت كالجزية ، فكان يبنى قبل النيروز بخمسة وعشرين يوما ، في صحن دار الملك ، اثنتا عشرة أسطوانة من لبن ، تزرع أسطوانة منها برّا ، وأسطوانة شعيرا ، وأخرى أرزا ، وأخرى عدسا ، وأخرى باقلى ، وأخرى دخنا ، وأخرى ، ذرة وأخرى لوبياء ، وأخرى حمصا ، وأخرى سمسما ، وأخرى ماشا ؛ ولم يكن يحصد ذلك إلّا بغناء وترنم ولهو . وكان يوم السادس من يوم النيروز ، وإذا حصد بثر في المجلس ، ولم يكسر إلى روز مهر من ماه فروردين ، وإنما كانوا يزرعون هذه الحبوب للتفاؤل بها ، ويقال : أجودها نباتا ، وأشدها استواء ، دليل على جودة نبات ما زرع منها في تلك السنة . فكان الملك يتبرّك بالنظر إلى نبات الشعير خاصة ، وكان مؤدب الرماة يناول الملك يوم النيروز قوسا وخمس نشّابات ، ويناول الملك قيمه على دار المملكة أترجه ، فكان فيما يغني بين يدي الملك ، غناء المخاطبة ، وأغاني الربيع ، وأغاني يذكر فيها أبناء الجبابرة ، وتوصف الأنواء ، وأغاني أفرين ، والخسرواني ، والماذراستاني ، والفهليد . وكان أكثر ما يغني العجم ، الفهليد مع أيام كسرى أبرويز ، وكان من أهل مرو ، وكان من أغانيه مديح الملك ، وذكر أيامه ومجالسه وفتوحه ، وذلك بمنزلة الشعر في كلام العرب ، يصوغ له الألحان ، ولا يمضي يوم إلّا وله فيه شعر جديد ، وضرب بديع . وكان يذكر الأغاني التي يستعطف بها الملك ، ويستميحه لمرازبته وقواده ، ويستشفع لمذنب ، وإن حدثت حادثة ، أو ورد خبره كرهوا انهاءه